الشيخ مرتضى الحائري

44

مباني الأحكام في أصول شرائع الإسلام

واحدٌ من حيث الموضوع له والمستعمل فيه ، وإنّما الفرق بينهما في أنّ اللفظ في الأوّل وضع لأن يلحظ المعنى حالةً وآلةً في غيره بخلاف الثاني فإنّه وضع لأن يلحظ المعنى بنحو الاستقلال . ولا يمكن أن يكون اللحاظ دخيلًا في المستعمل فيه ؛ لأنّه لا فرق بين المعنى الاسميّ والحرفيّ في كون كلّ منهما محتاجاً في حال الاستعمال إلى اللحاظ ، فكما أنّ اللحاظ في الاسم ليس دخيلًا في المعنى فليكن في الحرف كذلك ؛ ولأنّه لو كان اللحاظ دخيلًا في المعنى للزم تعلّق لحاظ آخر به ، من باب أنّ لحاظ المستعمل فيه لازم حين الاستعمال ، والمستعمل فيه مشتمل على اللحاظ على الفرض فيجتمع اللحاظان ؛ ولعدم انطباق مثل « سر من البصرة إلى الكوفة » على الخارج إلّا بالتجريد ، وهو خلاف الارتكاز في مثل تلك الاستعمالات ، فالاختلاف إنّما يكون في الوضع لا في الموضوع له والمستعمل فيه ( 1 ) . أقول : لعلّ المقصود من الاختلاف في الوضع أنّ تقيّد « من » - مثلًا - بأن يكون اللحاظ آليّاً ملحوظ في ناحية الوضع ، فالوضع مقيّد بذلك لا الموضوع له ، فهو نظير شرط الوجوب في قبال شرط الواجب . وكيف كان ، ففيه أوّلًا : أنّ تقيّد المعنى باللحاظ خالٍ عن الإشكال ؛ فإنّ الأوّلَ ليس إلّا القياس في اللغة ؛ مع أنّه يمكن أن يكون الواضع تخيّل في المعنى الحرفيّ أنّ مفاده هو الربط الحقيقيّ ، وهو لا يتحقّق إلّا مع تقيّده بالوجود كما توهّمه غير واحد من محقّقي معاصرينا ، وهو وإن لم يكن واضح الصحّة إلّا أنّه يمكن أن يكون منشأً لتوهّم الواضع فوضع اللفظ في الحروف لوجود الربط المتحقّق في الذهن ؛ والثانيَ مندفع بكفاية لحاظ واحد عند الاستعمال ولو مع دخالة اللحاظ في المعنى ، إذ يكفي في الاستعمال كون المعنى مدركاً ، ولا ريب أنّ جزء المعنى مدرك بحصول صورته عند الذهن ونفس اللحاظ مدرك بنفس الحضور في الذهن ولا يحتاج إلى تصوّر

--> ( 1 ) كفاية الأصول : ص 26 و 27 .